محمد عبد المنعم خفاجي

80

الأزهر في ألف عام

وكان أديبا متذوقا . فقد أوتي حافظة قوية كنت أغبطه عليها ، ملمة بشتى عصور الأدب وتقلباتها وحوادثها إلماما محمودا ، وكثيرا ما تجود بالأبيات والطرف الأدبية والأمثال ونحو ذلك عند أدنى مناسبة . . وكان يطرب للدعابة اللطيفة والنكتة الرائعة - ولو على حسابه - ويأخذ حينذاك سبيله إلى المرح قائلا : « لقد قتلتنا كثرة الجد » ، ولكنه سرعان ما ينحدر إلى سوق الحكم ، والنعي على الدنيا ، مع الرضا والاستسلام لقضاء اللّه وقدره . وكان كثير البحث عن مظان اللغة ، يحفظ من ألفاظها عددا تكتنز فيه المعاني ، أو يعبر عن المعاني الغريبة أو المستحدثة ، ويعني بالألفاظ الطوافة في اللغات ، وما كسبته في كل لغة من المعاني . وأغلب الظن أن في مسجلاته كثيرا منها . ولا نقول جديدا إذا نوهنا بدروسه الدينية وخطبه المنبرية ، فإنه أسبغ عليها سمة من التجديد ، وغذاها بما تفيض به نزعته الأدبية وثقافته الواسعة ، فخرجت بجديد أسلوبها ومعناها ، عصرية بريئة من السمت التقليدي القديم . ومنذ سنوات أخذ على عاتقه إخراج كتاب من أهم كتب الحديث والفقه والقضاء الإسلامي ، وهو كتاب ( أخبار القضاة ) لمحمد بن خلف بن حيان ، المشهور بوكيع ، استعار نسخته الشمسية الوحيدة ، وأنفق فيها النفيس من وقته ، والمرجو من راحته ، حتى استقام له تقديمها إلى المطبعة . فأنجزت منها جزءين وبقي جزآن . وقد عنى في الكتاب بالتصحيح والتعليق وشرح الغامض وتخريج الأحاديث ، بما يشعرك بعمله الغزير وأدبه الجم وإحاطته بمسائل الفقه ومواضع الحديث ومظان الأدب . وبما يشعرك بصبره وبالغ جهده في سبيل خدمة دينه وشريعته . وقد توفي بعد الشيخ بقليل أخوه الأكبر الشيخ أحمد مصطفى المراغي صاحب « تفسير القرآن الكريم » المسمى تفسير المراغي ، وسواه من الكتب ، وذلك عام 1952 .